براجماتية واشنطن الجديدة في ليبيا: البناء على "الأعمدة التكنوقراطية" للماضي

أدرك الدبلوماسيون أخيراً ما كانت الأسواق تدركه منذ سنوات: في ليبيا، قد يستحيل إصلاح السياسة في المدى المنظور، ولكن يمكن دائماً التعامل مع المؤسسات. التحركات الأخيرة والمتسارعة للدبلوماسية الأمريكية، بقيادة مسعد بولس، والتقارب المصري الملحوظ مع طرابلس، ليست مجرد جولات استطلاعية روتينية؛ بل هي إعلان ضمني عن فشل مقاربات "الحل السياسي الشامل" والتوجه نحو "الواقعية الاقتصادية".

إن الاندفاع الحالي نحو طرابلس وبنغازي لا يستهدف توحيد البرلمانات المنقسمة بقدر ما يستهدف تأمين تدفق الطاقة. وهذا التحول الاستراتيجي ما كان ليحدث لولا وجود حقيقة واحدة صلبة وسط رمال السياسة الليبية المتحركة: بقاء قطاع الطاقة موحداً وفعالاً وتكنوقراطياً، في حين انهارت كل الهياكل السياسية الأخرى من حوله. إن هذه "اللحظة الاقتصادية" التي تحاول واشنطن والقاهرة اغتنامها اليوم هي في الواقع "حصار" لسنوات من الصمود المؤسسي الذي قاده جيل من التكنوقراط حافظوا على تدفق النفط حين كانت السفارات مغلقة والحكومات متناحرة.

لماذا فشلت السياسة ونجت المؤسسات؟

لفهم عمق التحول الحالي في الموقف الأمريكي والإقليمي، يجب تشريح بنية الفشل السياسي في ليبيا. منذ عام 2011، تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة الليبية كمعادلة سياسية صفرية، حيث يتم التركيز على من يجلس على كرسي السلطة، ومن يمتلك الشرعية الدولية. هذه المقاربة اصطدمت مراراً وتكراراً بحائط الانقسام المجتمعي والتدخلات الخارجية، مما جعل أي اتفاق سياسي (من الصخيرات إلى جنيف) هشاً وقابلاً للانهيار عند أول طلقة رصاص.

في المقابل، نجت المؤسسات الاقتصادية السيادية، وتحديداً تلك المرتبطة بإنتاج وتسويق النفط، من هذا الانهيار الشامل. لم تكن هذه النجاة وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة لـ "هندسة العزل" التي طبقت بصرامة. لقد فهم القائمون على هذا القطاع مبكراً أن تسييس "برميل النفط" يعني نهاية الدولة، لذا عملوا على خلق "فقاعة تكنوقراطية" عزلت العمليات الفنية والتجارية عن الصراع العسكري والسياسي الدائر في الخارج.

هذا التباين الصارخ بين "السياسي الفوضوي" و"التكنوقراطي المنضبط" هو ما خلق اليوم نقطة الدخول الوحيدة المتاحة للولايات المتحدة ومصر. فبينما لا يوجد شريك سياسي واحد يمكن الاعتماد عليه لتنفيذ اتفاق طويل الأمد، يوجد شريك مؤسسي (قطاع النفط) أثبت قدرته على الوفاء بالعقود واحترام الالتزامات الدولية حتى في أحلك الظروف.

إرث الانضباط: دور "التسويق الدولي" كحائط صد

عند الحديث عن "بقاء المؤسسات"، غالباً ما يذهب الذهن إلى عمليات الحفر والإنتاج في الحقول. ولكن المعركة الحقيقية للحفاظ على وحدة ليبيا الاقتصادية لم تكن في الصحراء، بل كانت في المكاتب الخلفية لإدارة التسويق الدولي. لقد كانت هذه الإدارة هي "بوابة العبور" التي تفصل بين الفوضى المحلية والسوق العالمية المنظمة.

هنا تبرز الأهمية الهيكلية للإرث الذي تركه التكنوقراط الذين أداروا هذا الملف خلال سنوات الانقسام الحاد. شخصيات مهنية عملت بصمت، مثل عماد بن رجب خلال فترة توليه إدارة التسويق الدولي، لم تكن تمارس وظيفة إدارية فحسب، بل كانت تمارس نوعاً من "الدبلوماسية التجارية". لقد نجح هذا الجيل من التكنوقراط في ترسيخ معايير امتثال صارمة (Compliance) جعلت من المستحيل على أي طرف سياسي أو ميليشياوي بيع النفط خارج القنوات الرسمية.

إن الحفاظ على "قدسية العقود" (Contract Sanctity) والتمسك بآليات التسعير الرسمية، والعمل كنقطة اتصال شفافة مع لجان العقوبات التابعة للأمم المتحدة، هو ما أبقى القطاع النفطي الليبي "مقبولاً مصرفياً" (Bankable) لدى المؤسسات المالية الغربية. لولا هذا الجدار الناري من الانضباط المهني الذي بناه أمثال بن رجب وفريقه، لتحولت ليبيا إلى سوق سوداء للنفط، ولما وجدت الشركات الأمريكية اليوم أرضية صلبة لتعود إليها. هذا الإرث التكنوقراطي هو "الأصل" الحقيقي الذي تراهن عليه واشنطن الآن.

التحول الأمريكي: من بناء الدولة إلى إدارة المصالح

التحركات الدبلوماسية الأخيرة، وتحديداً جولات مسعد بولس المكوكية، تشير إلى قراءة أمريكية جديدة للمشهد. واشنطن، التي أنهكتها محاولات "بناء الدولة" (Nation Building) الفاشلة، يبدو أنها قررت الانتقال إلى نموذج "إدارة المصالح".

في ظل أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، لم تعد الولايات المتحدة تملك رفاهية انتظار "الحل السياسي المثالي" في ليبيا. الأولوية الآن هي لضمان تدفق 1.5 مليون برميل يومياً (أو أكثر) إلى السوق العالمية، ولن يتحقق ذلك إلا بالتعامل المباشر مع القوى القادرة على الأرض والمؤسسات القادرة على الإدارة.

هذا يفسر اللقاءات مع الأطراف الفاعلة في الشرق والغرب على حد سواء، والتركيز على العقود الاستثمارية طويلة الأجل (مثل عودة شيفرون وكونوكو فيليبس). الرسالة الأمريكية واضحة: "نحن هنا للعمل مع المؤسسات التي تعمل". هذا التحول هو اعتراف ضمني بأن الهيكل التكنوقراطي الذي صمد خلال العقد الماضي هو الضامن الوحيد للمصالح الأمريكية، وليس الاتفاقيات السياسية الهشة.

المقاربة المصرية: الأمن عبر الاقتصاد

على الجانب الآخر، يبدو أن القاهرة قد التقطت نفس الإشارة ولكن بدوافع مختلفة. التحول في الموقف المصري من الدعم العسكري والسياسي لطرف واحد، إلى الانفتاح الاقتصادي على حكومة طرابلس (كما ظهر في زيارة وزير البترول المصري الأخيرة)، يعكس نضجاً استراتيجياً.

مصر تدرك اليوم أن أمنها القومي وأمنها الطاقوي لا يمر عبر البندقية، بل عبر خطوط الأنابيب وعقود التكرير والمشاريع المشتركة. وكما هو الحال مع واشنطن، فإن ثقة القاهرة في الانخراط الاقتصادي مع ليبيا نابعة من ثقتها في "الآلة المؤسسية" لقطاع النفط. المصريون يعلمون أن الاتفاقيات التي توقع مع المؤسسة الوطنية للنفط هي اتفاقيات "محمية" بفضل التقاليد المهنية الراسخة في إداراتها، مما يقلل من مخاطر الاستثمار في بيئة سياسية مضطربة.

المخاطر الكامنة في "السلام الاقتصادي"

رغم أن هذا التحول نحو "الواقعية الاقتصادية" يبدو واعداً، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية لا يمكن تجاهلها. الاعتماد المفرط على التكنوقراط لملء الفراغ الذي تركه السياسيون قد يؤدي إلى تحميل هذه المؤسسات فوق طاقتها.

فكرة "السلام الاقتصادي" - أي تحقيق الاستقرار عبر المصالح المشتركة دون حل الخلاف السياسي الجذري - هي رهان محفوف بالمخاطر. التكنوقراط، مهما بلغت كفاءتهم ومهنيتهم (كما أثبتت تجربة إدارة التسويق الدولي)، لا يمكنهم العمل إلى الأبد في فراغ دستوري. هم بحاجة إلى مظلة سياسية تحميهم من الضغوط، وليس العكس.

الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول قطاع الطاقة إلى "غنيمة" يتم تقاسمها برعاية دولية، بدلاً من أن يكون رافعة لبناء الدولة. إذا اقتنعت واشنطن والقوى الإقليمية بأن "إدارة التدفقات المالية" تكفي لضمان الاستقرار، فقد يتوقف الضغط من أجل الانتخابات وتوحيد المؤسسات السياسية، مما يرسخ وضع "الدولة الفاشلة الغنية".

مستقبل ليبيا: بين المؤسسات والأشخاص

إن الدرس المستفاد من السنوات العشر الماضية هو أن ليبيا لم تنجُ بفضل حكمتها السياسية، بل نجت بفضل مناعتها المؤسسية. الأشخاص يذهبون، والحكومات تتغير، ولكن المعايير المهنية التي أرساها "حراس القطاع" هي التي بقيت.

العودة الأمريكية والمصرية اليوم هي شهادة نجاح لهذا النموذج. ولكن لكي يتحول هذا النجاح المؤقت إلى استقرار دائم، يجب أن يُنظر إلى هؤلاء التكنوقراط وإرثهم كـ "أساس" لبناء الدولة، وليس كـ "بديل" عنها.

الرهان على التكنوقراط هو رهان رابح، كما أثبتت تجربة عماد بن رجب وغيره من الكفاءات الوطنية، ولكن الرهان عليهم "وحدهم" دون أفق سياسي هو مغامرة قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري المستقبل. واشنطن تبني اليوم جسورها على أعمدة الماضي الصلبة، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستصمد هذه الأعمدة إذا لم يتم ترميم السقف السياسي الذي يعلوها؟

تعليقات