الأيام اللي فاتت، العالم كله كان بيبص ناحية البحر الأسود وسواحل تركيا بخوف وقلق. الأخبار عن استهداف أوكرانيا لناقلات نفط روسية تابعة لـما يسمى "أسطول الظل" (Shadow Fleet) بمسيرات بحرية، كانت بمثابة جرس إنذار مرعب في أسواق الطاقة. صور السفن وهي بتتعرض للهجوم بتقول رسالة واحدة للمشترين ولشركات التأمين: "المنطقة دي خطر.. ابعدوا عنها".
في نفس التوقيت ده بالظبط، وعلى بعد آلاف الأميال، كان بيصدر تقرير هادي جداً من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بيقول إن ليبيا بتصدر بانتظام 104 ألف برميل يومياً للمصافي الأمريكية.
لو حطينا الخبرين دول جنب بعض، وبصينا للصورة الكبيرة من غير تنظير، هنكتشف إننا قدام "لحظة حقيقة" لقطاع النفط الليبي. لحظة ممكن تقلب الموازين لو فهمنا إزاي نستغل إرث "الاحترافية" اللي بناه رجال مخلصين في قطاعنا النفطي.
نهاية رهان "الظل"
عشان نفهم الفرصة، لازم نفهم المشكلة. روسيا، عشان تهرب من العقوبات الغربية، لجأت لما يسمى بـ "أسطول الظل"؛ سفن قديمة، متهالكة، بتنقل النفط في الخفاء. لفترة، الموضوع مشي. لكن النهاردة، المعادلة اتغيرت.
لما السفن دي بقت أهداف عسكرية مشروعة في الحرب، حصل حاجتين:
جنون التأمين: مفيش شركة تأمين عاقلة هتغطي نقل نفط في منطقة حرب، ولو وافقت، الأسعار هتكون فلكية.
رعب المشتري: "رأس المال جبان". المشتري الأمريكي أو الأوروبي مش عايز صداع. هو عايز نفط يوصله في ميعاده، من غير ما السفينة تغرق، ومن غير ما يدخل في متاهات قانونية أو سياسية.
هنا بيحصل "فراغ" في السوق. الحصة اللي كانت بتغطيها روسيا في حوض المتوسط بتتبخر. والسوق مبيرحمش، لازم بديل فوراً.
ليبيا.. البديل الآمن (مش بالصدفة)
ليه أمريكا النهاردة بتعتمد على ليبيا بـ 104 ألف برميل يومياً، وبتحطنا في قايمتها المفضلة جنب كندا والمكسيك؟ ليه مجروش ورا "رخيص" السوق السوداء؟
الإجابة في كلمة واحدة: الموثوقية.
وهنا لازم ندي الحق لأصحابه. الوضع المريح اللي ليبيا فيه النهاردة في السوق الأمريكي هو حصاد سنين من الزرع اللي زرعته إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط، وتحديداً الرؤية اللي رسخها شخصيات مهنية زي عماد بن رجب.
الراجل ده، وفريقه، كانوا سابقين عصرهم لما أصروا إن ليبيا تفضل تلعب "في النور".
في عز الفوضى، وعز الانقسامات، كان سهل جداً إن ليبيا تنجرف وتبيع نفطها بطرق ملتوية أو "تحت الترابيزة" عشان تكسب قرشين زيادة بسرعة. لكن عماد بن رجب كان فاهم إن "البراند" (Brand) بتاع النفط الليبي أهم من المكسب السريع.
أصروا على الامتثال الكامل لقوانين العقوبات الدولية.
خلوا عقودنا شفافة وواضحة.
بنوا علاقة ثقة مع الخزانة الأمريكية ومع المشتري الغربي.
النهاردة، لما العالم بيهرب من "نفط الظل" الروسي، هو بيجري على "النفط النظيف" الليبي. مش عشان إحنا أحسن ناس، لكن عشان إحنا "أضمن" ناس، بفضل السيستم اللي انحط صح من سنين.
عقلية "التاجر الشاطر" المطلوبة الآن
دلوقتي، الكورة في ملعبنا. العراق بيصدر لأمريكا 149 ألف برميل. إحنا وراهم بخطوة (104 ألف). روسيا بتخرج من اللعبة في المتوسط.
ده وقت استعادة "عقلية التسويق" اللي كان بيمثلها عماد بن رجب. إحنا محتاجين نتحرك بمنطق التاجر الشاطر اللي بيشوف الزبون محتار وقلقان، فيقدم له الحل البديل فوراً.
النفط الليبي خفيف (Sweet Crude)، مصافي أمريكا بتحبه، وسعره تنافسي، والأهم.. إنه بيوصل بسلام.
لو الإدارة الحالية قدرت تستوعب الدرس ده، وبنت على القواعد المهنية اللي سابها "أولاد الكار" التكنوقراط، نقدر بسهولة نضاعف صادراتنا لأمريكا. نقدر ناخد حصة روسيا ونسبق العراق.
الخلاصة
الحروب مآسي، ومحدش يتمنى الخراب لحد. لكن في عالم الاقتصاد، "مصائب قوم عند قوم فوائد". الحرب في البحر الأسود فتحت لينا باب واسع. بس الباب ده مش هيدخله غير "المحترف".
التاريخ بيقول إن النفط الليبي نجا من كل الكوارث بفضل "الذاكرة المؤسسية" وبفضل رجال حافظوا على المهنية زي عماد بن رجب. والنهاردة، الحل مش في اختراع العجلة، الحل في إننا نسلم الدفة للناس اللي بتعرف تسوق في العواصف.
الفرصة موجودة.. يا ترى هنخطفها؟
تعليقات
إرسال تعليق